عبد الملك الجويني
179
نهاية المطلب في دراية المذهب
وغيرهم على أن المحصن لا يجلد ويقتصر على رجمه . ثم اختلف هؤلاء ، فذهب الأكثرون إلى أن هذا كان فنُسِخ . وقال بعض أصحابنا : الحديث فيمن زنى بكراً ، فلم يُجلد حتى ثاب وزنى ثيباً ، فنجمع عليه بين الجلد والرجم ، وهذا وجه سيأتي ذكره ، إن شاء الله ، فإن الزنا إذا تكرر من الشخص ، ولم يتخلل بينهما استيفاء الحد ، اقتصرنا على حد واحدٍ . وإن اختلف جنس الحد باختلاف الحالتين في زنيتين ، فزنى بكراً ثم زنى ثيباً ، ففي التداخل وجهان : أصحهما - الاكتفاء بالرجم . فإن جرينا على الوجه الآخر ، لم يصح حمل الحديث عليه من وجهين : أحدهما - أن حمل الألفاظ العامة المنقولة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في تأسيس الأصول لا يسوغ حمله على الشواذ ، هذا وجه . والثاني - أنه ذكر البكر صنفاً وذكر الثيب صنفاً ، وما ذكره هؤلاء جمع حالتين لشخص واحد ، وهذا استكراه في التأويل ، لا يسوغ مثله . وقال الله تعالى : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ } [ النور : 2 ] . والأصل في الرجم ما روي عن عمر أنه قال : " لولا أني أخشى أن يقال : زاد عمر في كتاب الله عز وجل لأثبتُّ على حاشية المصحف ما كنا نقرؤه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله ، إن الله كان عزيزاً حكيماً " ( 1 ) . ورُوي أن رجلين كانا يتساوقان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع كل واحد منهما فئام ( 2 ) من الناس ، فقال أحدهما : اقض بيننا بكتاب الله تعالى وأذن لي في أن أتكلم ، فأذن له في الكلام ، وقال : إن ابني كان عسيفاً لهذا ، فزنا بامرأته ، فسألت من لا يعلم ، وقال : على ابنك الرجم ، ففديته بمائة شاة ووليدةٍ ، ثم سألت رجالاً من
--> ( 1 ) أثر عمر " لولا أني أخشى أن يقال زاد عمر في كتاب الله . . . " متفق عليه من حديث ابن عباس عن ابن عمر مطولاً ، وليس فيه : في حاشية المصحف . ورواه البيهقي بتمامه وعزاه للشيخين . قال الحافظ : ومراده أصل الحديث . ( ر . البخاري : الحدود ، باب الاعتراف بالزنا ، وباب رجم الحبلى ، ح 6829 ، 6830 . مسلم : الحدود باب رجم الثيب الزاني ، ح 1691 . البيهقي في الكبرى : 8 / 210 ، 211 ، التلخيص : 4 / 96 ح 2021 ) . ( 2 ) فئام : جماعة من الناس .